القاضي عبد الجبار الهمذاني
100
المغني في أبواب التوحيد والعدل
دائما ، ولا يكون المراد إلا التوقيت ؛ وإنما يجوز ادعاء اللغة في شيء إذا طابقه الاستعمال ، فأما إذا خالفه فغير ممكن . فكأن المتكلم بهذه اللفظة قد دل على أن مراده في ذلك الملازمة حتى تحصل البغية ، فصلا بينه وبين ملازمة قدر واحد ، أو مقادير مخصوصة ، فيجب على هذا الموضوع أن يكون هذا الكلام إذا صدر منه تعالى أن يقتضي هذا المعنى ، فكأنه قال للمكلف : افعل هذا إلى أن تحصل البغية ، فإذا لم يعرف متى تحصل البغية فلا بدّ من أن يدل الحكيم عليه ، إما بخبر ، أو نهى . وبعد . . . فلو سلمنا صحة ما ادعوه ، في اللغة لكان التعارف يقضى عليه ، لأن هذه اللفظة لم يتعارف استعمالها إلا في هذا الوجه ، فهم إذا قالوا : لازم الغريم أبدا ، فكأنهم قالوا : لازمه حتى تحصل البغية ، فكذلك فيما شاكله ، والتعارف أخصر من المواضعة ، فيجب أن يكون قاضيا على ما يدعى من اللغة الأصلية . فإن قالوا : فأنتم تقولون في لفظة التأبيد ، إذا دخلت في الوعيد ، إنها تدل على الدوام ؟ قيل له : لأن التعارف الّذي ذكرناه لم يحصل إلا في الأمر والنهى ، وما شاكلهما ؛ فأما الوعيد فإذا لم يكن فيه تعارف فيجب أن يكون على ما كان عليه ، من قبل ؛ على أن شيوخنا لم يتعلقوا في الوعيد بلفظ التأبيد فقط ، وإنما تعلقوا به مع الخلود ، فإنه تعالى لما قال : خالدين فيها أبدا ، إلى ما شاكله دل ذلك على التأبيد ، ولما صح عندهم أن من حق العقاب أن يستحق دائما ، وأنه لا دليل يقتضي العفو ، بل قد ثبت أنه تعالى لا يتفضل بالعفو حكموا بالوعيد على الدوام ، وذلك يمنع من تعلقهم بما ذكروه .